'); ?> جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة - [attariq aljadid]
attariq aljadid
كتاب ً عرق البرنوسً

جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة

السبت 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

…كنت أشرت سابقا الى السيد - فيليب طوماس –( Philippe Thomas) مكتشف مناجم الفسفاط بقفصة وهو طبيب بيطري ملحق بالجيش الفرنسي و كيف توفي معدوما ومغمورا … وخصص له بعض الأوفياء من أصدقائه نقيشة لتخليد اسمه بمدينة صفاقس …وقد علمت سماعا أنه كان يردد قبل وفاته و هو يشاهد هذه الخيرات التي اكتشفها بنفسه تنهب من أصحابها الشرعيين و تحول لصالح أقلية من اللصوص : "لو كنت أعلم أن الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه لحملت سري معي إلى القبر" . كان رجلا شريفا بأتم معنى الكلمة وهو يشرف بالتالي الفرنسيين.

يزخر كتاب عرق البرنوس لمؤلفه بول فيني دوكتون والذي نشر في طبعته الأولى الصادرة باللغة الفرنسية سنة 1911 بمثل هذه الشهادات وصيحات الغضب والاستنكار للوضع الذي آلت إليه البلاد التونسية من جراء النهب الاستعماري المنظم الذي أصبحت عرضة له منذ انتصاب نظام الحماية سنة 1881 . والكتاب الذي قام بتعريبه الزميل والصديق الأزهر الماجري ونشره على نفقته الخاصة، يمثل الجزء الأول من تقرير شامل رفعه هذا النائب في البرلمان الفرنسي حول أوضاع البلاد التونسية على اثر تحقيق ميداني رسمي كلف بإجرائه بالبلاد التونسية على امتداد ثلاث سنوات (1907-1909). ورغم الإطار الرسمي الذي تم ضمنه التحقيق والذي كان من المفروض أن ينتهي بصاحبه إلى الإقرار بالنتائج الايجابية التي ترتبت عن نظام الحماية، فان قوة شخصية الرجل و استقلاله الفكري ورفعة أخلاقه جعلته ينتهي إلى تحرير تقرير فاضح للسياسة الاستعمارية لحكومة بلاده ولا يتردد في نعتها بجرائم الجمهورية الثالثة التي ابتدأت سنة 1871 والتي تميزت باشتداد حركة التوسع الاستعماري الفرنسي في عدة أجزاء من العالم.

يحتوي الكتاب على وصف دقيق لعدة جهات من البلاد التونسية حيث تنقل فينيي دوكتون من شمال البلاد إلى جنوبها،و تعرف على السكان الرحل والمستقرين وعلى الأرياف بفلاحيها وقبائلها وعلى المدن بسكانها المترفين والمعدمين و على ما كانت تعانيه البلاد من تجاوزات صادرة عن الإدارية الاستعمارية وغلاة المعمرين والمتفوقين وعن الموظفين المحليين المتواطئين معهم في استغلال ثروات البلاد الطبيعية والفلاحية.

ولعل من الطريف الإشارة إلى أن هذا الكتاب الصادر بفرنسا سنة 1911 والذي احتوى على نقد صريح للسياسة المتوخاة من الشركة التي تحصلت على –هدية- استغلال الحوض المنجمي بقفصة قد عثر عليه الأزهر الماجري في مكتبة تلك الشركة لما تمت نقلته ضمن إجراء تأديبي للتدريس بمعهد المتلوي في أواسط ثمانينات القرن الماضي. ورغم أن بحوث الزميل اهتمت بفترات سابقة للفترة الاستعمارية، فان إعجابه بهذا الكتاب لما احتواه من صدق في وصف تأثيرات السياسة الاستعمارية جعله يتربص الفرصة السانحة لتعريبه و التعريف به لدى أوسع الأوساط الجامعية وغيرها. ومن المفارقات أن يصدر الكتاب في وقت اشتد فيه انتباه الرأي العام والسلط إلى حدة المشاكل المتراكمة التي تعاني منها منطقة الحوض المنجمي بقفصة.

إن صدور الكتاب في هذا التوقيت يعد إسهاما من قبل المؤرخ من موقع معرفي وأكاديمي، بما يطلعنا عليه من وثائق وما يقوم به من قراءة نقدية للماضي، في النقاش الوطني الذي باتا حتميا من أجل معالجة رصينة لمشاكل متأصلة عانت منها منطقة المناجم منذ أكثر من قرن، وعادت لتطفو على الساحة بقوة منذ مطلع السنة الحالية. إن الأمر يتعلق بقضايا هيكلية تضرب بجذورها في عمق الفترة الاستعمارية وما أحدثته من انخرام في التوازن بين الجهات وهي تستوجب التفكير الجدي، بعيدا عن الحلول الأمنية والانتقامية، لجعل ثروة الفسفاط التي تزخر بها هذه المنطقة منطلقا لتنمية حقيقية للبلاد والعباد.

إن هذا التحقيق الميداني المنجز منذ قرن من قبل نائب في البرلمان الفرنسي تجول في بلادنا ليرفع تقريرا صريحا يدعو فيه حكومة بلاده لمراجعة سياستها في تونس يطرح أكثر من سؤال على المختصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية وعلى أعضاء الهيئات المنتخبة في المستويين الجهوي والوطني وعلى المسؤولين في جميع مراتبهم ليسهموا، كل من موقعه وبأدواته الخاصة، في الوصف الدقيق للأوضاع الميدانية ويبادروا بتقديم التصورات في جو من الحرية والصراحة قصد إيجاد الحلول العاجلة والتفكير الجدي في الحلول الجذرية الواجب إقرارها لتصفية التركة الاستعمارية.

يعيد هذا الكتاب إلى الأذهان أن معادة الاستغلال الاستعماري ونشر الوعي بضرورة الوقوف ضد الظلم والقهر هي حركة شاركت فيها أيضا قوى متعددة و شخصيات مستقلة ومتنورة ظهرت في بلدان المركز الأوروبي، ولم تتردد في فضح الجرائم الاستعمارية المتوخاة من طرف حكومات بلدانها وفي مساندة حركات التحرر الوطني وفي دعمها.

ولا يفوتنا التنويه بأن تعريب الكتاب اتسم بكثير من الصرامة وتجاوز مجرد النقل من لغة إلى أخرى للقيام بعملية تحقيق علمي و تقديم ضاف في شكل هوامش وإحالات لكل من الأحداث التي أشار إليها المؤلف بسرعة وللشخصيات الواردة في ردهات الكتاب في نسخته الأصلية فجاء النص المعرب في لغة تجمع بين السلاسة والدقة و تعيد القارئ للظرفية المدروسة ولكنها تعينه في نفس الوقت على ربط أكثر من صلة بين الماضي والحاضر وتدعوه دون تحريض فج أو لغط للإسهام بدوره في استشراف المستقبل.

حبيب القزدغلي، أستاذ التاريخ المعاصر

كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة


الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | المجال الخاص | الإحصاءات | زيارة: 1165520

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع الطريق الثقافي   ?

موقع صمم بنظام SPIP 1.9.2d + ALTERNATIVES

Creative Commons License