'); ?> لا بـد لأحزاب المعارضة أن تخوض الإنتخابات لتبليغ صوتها ومشاريعها - [attariq aljadid]
attariq aljadid
الأستاذ علي المحجوبي:

لا بـد لأحزاب المعارضة أن تخوض الإنتخابات لتبليغ صوتها ومشاريعها

الثلثاء 2 كانون الأول (ديسمبر) 2008

في إطار الحوارات التي تجريها "الطريق الجديد" منذ مدة حول الوضع السياسي بالبلاد مع عدد من المناضلين الديمقراطيين والتقدميين، سواء كانوا مسؤولين في احزاب سياسية أو مناضلين مستقلين، أجرينا هذه المرة حوارا مع الأستاذ علي المحجوبي، الاستاذ الجامعي في التاريخ المعاصر وعميد كلية الآداب والفنون "9 أفريل" سابقا. والأستاذ المحجوبي معروف الى جانب ذلك، باهتمامه الكبير بالشأن الوطني ومساهمته في أهم النضالات التي قامت بها الحركة التقدمية التونسية منذ الستينات.

- الطريق الجديد: أستاذ علي، ما هي حسب رأيكم أهم القضايا والملفات التي تطرح نفسها على بلادنا في مطلع هذه السنة السياسية؟
- علي المحجوبي: تتعرض تونس اليوم الى عدة قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، في مقدمتها استفحال البطالة في صفوف الشباب والتي بلغت حسب الاحصائيات الرسمية 15%، (بينما تتــجاوز هـذه النسبة حسب بعض الملاحـظين الـ20%).

هذه الظاهرة تشمل كذلك أصحاب الشهادات العليا الذين يعيشون وضعهم البائس بمرارة وألم نظرا لما بذلوه من جهد في الدراسة وما تكبدته عائلاتهم من تضحيات لضمان مستقبلهم وتمكينهم من حياة كريمة، وقد يسفر ذلك عن أزمات اجتماعية لا تحمد عقباها كما هو الشأن في الحوض المنجمي، حيث أدّى الوضع الاجتماعي الى الحالة المزرية التي مازالت قائمة الذات مادام قد تبين أن الاجراءات الأمنية غير مناسبة لحلها.

- الطريق الجديد: ما هي أسباب بروز هذه الظاهرة بهذه الحدة؟
- علي المحجوبي: إن قضية حاملي الشهادات العاطلين عن العمل قد نجمت في الحقيقة عن تطور التعليم الذي أصبح منذ الاستقلال خيارا استراتيجيا لتنمية البلاد وحل مشاكلها. لم تكن للبلاد التونسية موارد طبيعية هامة، ولذلك راهن النظام البورقيبي على الموارد البشرية، فخصص حوالي 30% من الميزانية لقطاع التعليم لنشر المعرفة وتكوين إطارات فاعلة قادرة على النهوض بالبلاد، باعتبار أن الانسان هو في نهاية المطاف الثروة الحقيقية التي يتعذر بدونها تحقيق التنمية والتغيير، وهذا ما بيّنته بوضوح دراسة شملت 192 بلدا واستنتجت أن رأس المال البشري ساهم بما لا يقل عن 64% في المسار التنموي. وفعلا فقد مكن تطور التعليم بتونس من توفير إطارات فاعلة ساهمت في تنمية البلاد، وكذلك في توزيع مداخيلها عن طريق الجرايات التي يتقاضاها الموظفون. كما كان التعليم وسيلة للترقية الاجتماعية. فالعديد من الاطارات التي تقطن اليوم الأحياء الفاخرة بتونس العاصمة هم من أصحاب الشهادات ينتمي جلهم الى أوساط متواضعة تشمل القرى والأرياف.

وقد تطور قطاع التعليم في جميع مراحله منذ الاستقلال، ناهيك أن عدد الطلبة التونسيين قد مر من حوالي 5 آلاف في بداية الستينات الى 372 ألفا خلال السنة الجامعية الحالية. وقد نجم عن ذلك اختلال في التوازن بين نمو التعليم والنمو الاقتصادي الذي تراوحت نسبته منذ بداية الستينات بين 5 و6%.

إن حل أزمة البطالة تستوجب حسب أهل الاختصاص وضع حد لاختلال هذا التوازن بين النمو التربوي والنمو الاقتصادي وذلك بالزيادة في نسبة النمو الاقتصادي على الأقل بـ2% سنويا حتى تستطيع القطاعات والمؤسسات الاقتصادية استيعاب العاطلين عن العمل وخصوصا أصحاب الشهادات منهم.
- الطريق الجديد: هل تتوقع تأثيرا للوضع الاقتصادي العالمي على مشكلة البطالة في بلادنا؟
- علي المحجوبي: إن ظاهرة البطالة قد تستفحل جراء الوضع الاقتصادي العالمي، اذ أن البلاد التونسية ليست في مأمن من الأزمة الاقتصادية التي اندلعت بالولايات المتحدة الأمريكية وبدأت تتسرّب الى بقية انحاء العالم، خصوصا أن الاقتصاد التونسي مرتبط أشد الارتباط بالبلدان الرأسمالية الأوروبية. فقد تنخفض صادراتنا لهذه البلدان نتيجة تدنّي مستوى المعيشة لسكانها الناجم عن الأزمة وكذلك بسبب منافسة بضائع النسيج الآسياوية وخصوصا الصينية التي تتفاقم في مثل هذه الأوضاع.

كما قد تتأثر المؤسسات والمعامل التونسية التي تقوم على الشراكة مع شركات أوروبية في مجال النسيج وقطاع غيار السيارات وذلك مع انخفاض طلبات هذه الشركات الناجم عن ضيق اسواقها وتقلص طلباتها. وقد تنعكس هذه الأزمة العالمية كذلك على القطاع السياحي، اذ أنّ رواد تونس من الأوروبيين ينتمون غالبا الى الطبقات الوسطى والشعبية التي تتأثر أكثر من غيرها من تأزم الأوضاع الاقتصادية فيتخلى جلها عن السياحة التي تصبح في مثل هذه الظروف من الكماليات. ولا بد أن يكون لذلك شديد الأثر على الصناعات التقليدية التي تتمعش من السياحة، مثلها مثل قطاعات اقتصادية اخرى توفّر المواد الغذائية للسياح ومواد البناء لتشييد الفنادق. كما سيكون لهذه الأزمة انعكاسات على الاستثمارات الأجنبية التي ستتقلص بالبلاد التونسية مع ضيق السوق وتراجع الطلب، وستتراجع ايرادات العملة الصعبة المتأتية من عمالنا بالخارج الذين تتقلص مواردهم باعتبارهم عرضة للبطالة خلال هذه الأزمة.

وقد تتفاقم الأزمة الاجتماعية في مثل هذه الظروف التي يتعذر فيها خلق مواطن شغل جديدة وحتى الحفاظ على الحقوق المكتسبة للشغالين، فلا بد إذن من الأخذ بعين الاعتبار هذه الظروف العصيبة لتلافي استفحال البطالة وبالتالي التوتر الاجتماعي الذي قد ينجر عنها.
- الطريق الجديد: هل ترى أن المناخ السياسي الحالي يوفر الظروف الملائمة لإيجاد الحلول السليمة لمثل هذه المشاكل؟
- علي المحجوبي: إن معالجة مثل هذه القضايا الشائكة التي تهدد استقرار البلاد تستوجب في اعتقادي انفتاحا سياسيا يقوم على ارساء الديمقراطية والمواطنة التي تتمثل في تشريك جميع الاطراف السياسية للخوض في مشاكل البلاد واستنباط الحلول الملائمة لها. فقضية الديمقراطية هي في الوضع الراهن لبلادنا، كل شيء، "وليس هناك حل لأي شيء خارج نطاق الديمقراطية". فالديمقراطية ليست من قبيل الترف الفكري لنخبة من المثقفين همهم الوحيد حرية الفكر والتعبير، بل انها السبيل الوحيد لضمان الحكم الراشد، أي حسن التصرف في شؤون البلاد قصد النهوض بها الى مستوى الأمم الراقية وتحقيق مناعتها وسيادتها واستقلالها. وهي لا تخص المفكرين والمثقفين والمبدعين والصحافيين فحسب، بل تمثل مشروع مجتمع بأكمله وتنعكس بذلك على جميع شرائحه الاجتماعية، فالديمقراطية هي أساس العمران والتنمية لأنها، كما بيّن ذلك المصلح التونسي خير الدين باشا في كتابه ˜أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالكŒ، توفر المناخ الملائم للنهضة الشاملة، اذ أن الحرية والعدل ومساواة جميع المواطنين امام القانون وتحديد سلطة الحاكم ومراقبته تحد من الحكم المطلق وبالتالي من الاستبداد والظلم والتجاوزات، وذلك من شأنه توفير الأمن والطمأنينية في صفوف المواطنين ودفعهم الى البذل والعمل والاستثمار والانتاج والابداع وتحقيق أسباب النهضة والتقدم والحضارة.

- الطريق الجديد: ما هي شروط ارساء مثل هذا النظام الديمقراطي؟
- علي المحجوبي: بطبيعة الحال، إن تحقيق الديمقراطية يستوجب ارساء نظام دستوري حقيقي يقوم على حرية الفكر والحوار والمواطنة وبالتالي على مشاركة المواطنين بصفة مباشرة أو غير مباشرة في صنع القرارات المصيرية للنهوض بمجتمعهم، وهذا من شأنه أن يزيدهم تعلقا بالوطن وحماسا لتألقه وجرأة في الذود عنه، خلافا للحكم المطلق الذي يجعل المواطن غريبا في وطنه لا شأن له في قضاياه وبالتالي زاهدا في حبه والحماس اليه، فالديمقراطية هي اذن، في نهاية التحليل، مصدر التنمية والثروة والقوة والحضارة وأساس الوطنية والكرامة والاستقلال والسيادة.
- الطريق الجديد: في هذا السياق، كيف تتراءى لك الانتخابات التي نحن مقبلين عليها؟
- علي المحجوبي: قضية الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2009 تندرج في هذا السياق، اذ لا يمكن في غياب الديمقراطية الحديث عن انتخابات حرة، نزيهة وشفافة وعن سلطة تشريعية حقيقية تستمد شرعيتها من الشعب وتقوم بمراقبة السلطة التنفيذية. ذلك أن القوة النيابية لأي أمة ـ كما يقول جمال الدين الأفغاني ـ "لا تكون لها أية قيمة حقيقية إلا اذا انبعثت من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية محركة له هو مجلس موهوم على إرادة من أحدثه".

فنجاح المسار الديمقراطي يستوجب اذن نشر ثقافة وتقاليد ديمقراطية في أوساط الجماهير الشعبية حتى تتفطن الى حقوقها وتبرز على الساحة السياسية للدفاع عنها، فلا بد اذن لأحزاب المعارضة ـ رغم غياب ضمانات حقيقية في هذا المجال ـ أن تخوض هذه الانتخابات وتستغل هذا المنبر بحكمة لتبليغ أصواتها ومشاريعها للجماهير الشعبية وتساهم في بعث الوعي في صفوفها، خصوصا أن هذه المناسبة سانحة لتحسيس الرأي العام بقضايا الحرية والديمقراطية والمواطنة والتنديد بكل ما يحدث من تجاوزات، نظرا لأن صدى الاحتجاجات يكون أكبر في ظروف الانتخابات، داخل البلاد وخارجها. وقد تترك الحملات الانتخابية بصماتها في جميع اطراف البلاد وتوفر بذلك أرضية سانحة لربط الصلة بالجماهير الشعبية.
- الطريق الجديد: هل ترى أن وضعية الأحزاب التقدمية التونسية اليوم تسمح لها بمشاركة فعالة في الانتخابات؟
- علي المحجوبي: اعتقد أنه يجب أن تكون الانتخابات فرصة لأحزاب اليسار للتفكير في مسؤولياتها ومدى نجاعة وفاعلية نشاطها في رسم مستقبل البلاد ومصيرها. فهذه الأحزاب بقيت منطوية على نفسها وذلك رغم ما يتحلى به مناضلوها من كفاءة ونزاهة ونكران للذات واخلاص للوطن بدون أي حسابات، ورغم ما تحمله من افكار ومشاريع ترمي الى ارساء مجمتع ديمقراطي تسود فيه العدالة الاجتماعية والحرية وحقوق الانسان ويتحول فيه التونسيون من طور رعايا لا شأن لهم في شؤون البلاد الى طور مواطنين يكونون مصدر السلطة والقرار في وطنهم.

ولا يمكن حسب رأيي للاحزاب اليسارية، إن بقيت على هذا الوضع، ان تكون فاعلة في الحياة السياسية، فاليسار التونسي بقي منذ الاستقلال منحصرا في صفوف ثلة من المثقفين لهم مقدرة هائلة على تحليل الأمور وتشخيص القضايا والتنديد بالتجاوزات، لكنهم منعزلون عن القوى الشعبية التي يتحدثون باسمها ويدافعون بجدارة عن حقوقها ومصالحها، وهي لا تعرفهم وليس لها علم بأطروحاتهم ومشاريعهم. فبدون ربط الصلة مع هذه الجماهير سيبقى اليسار التونسي بمثابة أركان حرب دون جنود وبالتالي يبقى عاجزا عن تحقيق مشروعه، اذ أن العمل السياسي هو بمثابة المعركة بين خصوم يدافعون عن مشاريع مجتمع مختلفة. فلا يمكن مناهضة الحزب الحاكم، المدعوم بجهاز الدولة، وكسب هذه المعركة، دون الاعتماد على قوى شعبية. لا بد اذن لأحزاب اليسار، ولممارسة السياسة الحقيقية التي يقع تقييمها طبقا للنتائج لا للنوايا، أن تكون لها قاعدة اجتماعية عريضة تحمل مشروعا وتدافع عنه وتحمي قياداتها من التجاوزات وتفرض وجودها على الساحة السياسية، خصوصا أن العلاقات بين النظام القائم واحزاب المعارضة تخضع، مثلها مثل العلاقات الدولية، الى طبيعة موازين القوى. فكل حزب وراءه قوة اجتماعية بإمكانه تعبئتها للدفاع عن مشروعه والتصدي للتجاوزات يصبح طرفا في صنع القرار اذ أن الحاكم يقدر ردود فعله عند اتخاذ القرارات التي تحدد مصير البلاد.

ثم ان الديمقراطية التي تنادي بها احزاب اليسار تقوم على الاقتراع العام، حيث لا فرق بين المواطنين مهما كانت مستوياتهم الثقافية ومكانتهم في المجتمع. فالقاعدة الاجتماعية هي اذن في مثل هذه الحالة، بفضل أصواتها، الضامن الوحيد للنجاح في الانتخابات ولا يمكن بدونها مراقبة هذه الانتخابات لضمان نزاهتها وشفافيتها وبالتالي لكسبها. لا سبيل اذن لليسار التونسي الى ارساء نظام ديمقراطي وتحقيق مشروع مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية والحرية والمواطنة بدون قاعدة شعبية حقيقية.

ولعل أبلغ تعريف للعلاقة بين قوة الاحزاب السياسية واتساع قاعدتها الاجتماعية قد ورد في هذه المقولة للكاتب الفرنسي أندري مالرو "André Malraux" ـ وكان من أنصار التيار المساند للجنرال دي غول ـ "الميترو معنا" "Le métro est avec nous" وهو يقصد بذلك الجموع الغفيرة التي تتّخذه كوسيلة للتنقل…
- الطريق الجديد: بأي شكل ترى أنه على القوى التقدمية أن تشارك في انتخابات 2009 (الترشحات ـ التحالفات، الخ)؟
- علي المحجوبي: اعتبر أن قضية مرشح واحد في الانتخابات الرئاسية يمثل جميع الاحزاب التقدمية غير مطروحة في الوضع الراهن في تونس، اذ أن الغاية من هذه الانتخابات بالنسبة لهذه الأحزاب لا ترمي الى كسبها بل الى استغلال هذا المنبر لطرح أفكارها ومشاريعها امام الجماهير الشعبية لنشر الوعي فيها وكسب أنصار في صفوفها. وفي مثل هذه الحالة فإن تعدد الترشحات لاستغلال المنبر الانتخابي يكون أكثر فائدة لدعم المسار الديمقراطي.


الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | المجال الخاص | الإحصاءات | زيارة: 1132473

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع شؤون وطنية   ?

موقع صمم بنظام SPIP 1.9.2d + ALTERNATIVES

Creative Commons License